الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

265

نفحات القرآن

كهذه كالأرض المعدَّه للزرع ، تسطع عليها الشمس ، وتقطر السماء عليها قطرات الحياة ، فتنمو فيها البذور بسرعة ، وأمّا القلوب التي عطّلتها حُجب التعصب والجهل فانّها محرومة من هذه الحقائق ) « 1 » . والآية الرابعة تحدثت عن أولئك الكفار الذين وقفوا أمام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عناداً ، وخالفوا كل ما جاء به ، فكانوا يرمون الرسول والقرآن بالباطل تارة ، وتارة أخرى يقولون : إنّ ما جاء به الرسول سحر وأساطير الأولين ولا مجال للحق فيه : فتحدث في هذه عن هؤلاء وقال : « كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِيْنَ لَايَعْلَمُونَ » . لأنّهم لا يعلمون شيئاً عن هذا الكتاب السماوي الذي هو مصدر للحقائق . كما أنّ الآية توضح العلاقة بين « الجهل » و « العناد » . وعكست الآية الخامسة النموذج الكامل من العناد ، فما قيل إلى الآن كان خطاباً بين اللَّه ورسوله ، أمّا هنا فهم يعترفون بأنفسهم بأنّ على قلوبهم أكنة ، وفي آذانهم وقراً ، وبينهم وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حجاب لا يسمح لهم إدراك ما يقول والتسليم له ، فاعمل على شاكلتك ونحن عاملون على شاكلتنا . إنّ هذه التعابير تبين بوضوح ما هو العامل الأساسي لهذه الحجب وما هو السبب الرئيسي للوقر الذي يجعل في الاذن ؟ إنّها عبارات يقطر منها التعصب والعناد وتبين سبب شقائهم وتعاستهم . كما أنّ « التعصب » مشتق من مادة « عصب » وهو في البدن خلايا تسبب اتصال العضلات إحداها بالأخرى أو بالعظام ، والعصب بمثابة الوسيلة لنقل الايعاز إلى المخ ، وبما

--> ( 1 ) . وقد جاء في سورة النمل الآية 11 مضمون يشبه مضمون هذه الآية .